صدمة تطوير الهجوم “المتأخر”


لا أحد فى الموقع تهيأ لذلك النبأ المزعج الذى لم يتحدث عنه الضباط ولا أشارت إليه البلاغات الرسمية، لكنه أنهى على الفور حالة الإسترخاء التى أعقبت انفراج محنة العطش فى كتيبتنا، وأدخلنا فى حالة الصدمة والإلتباس والبحث عن تفسير لما حدث .. كيف يمكن تصديق هذه النهاية لعملية تطوير الهجوم التى قامت بها قواتنا المدرعة بالأمس؟ ولماذا لم يفكر أحد قادتنا فى إبلاغنا بالحقيقة، مهما كانت قسوتها، حتى نفهم أبعاد الموقف ونقدر مسئولياتنا فى ضوء هذا التطور؟ ألسنا جميعا شركاء ميدان أم أن الأمور ستبقى على حالها: مخ وعضلات .


المصادفة وحدها هى التى كشفت لنا مصير هذه العملية التى كان يفترض أن تقود الجيش كله الى موقع متقدم فى قلب سيناء، المصادفة هى التى قادت خطى أربعة جنود ممن شاركوا فى العملية الى موقعنا قرب الفجر، كان بينهم جريح وكانوا جميعا من أفراد الفرقة 21 المدرعة التى قامت بالهجوم فى قطاع الجيش الثانى، تقطعت بهم السبل ليلا حتى وصلوا منهكى القوى الى حافة الترعة الجافة المحازية لموقعنا بقرية الجلاء، قضوا نحو ساعة بيننا ثم استأنفوا السير بحثا عن وحداتهم التى تراجعت خلف الخطوط الأمامية، مضوا وتركوا وراءهم أصداء روايتهم الأليمة لما جرى:
” لم تكن الشجاعة أو الكفاءة تنقص قواتنا .. فقط كان العدو يعرف نوايانا ويتوقع تقدمنا، وكان جاهزا لمواجهتنا بكل ما أوتى من أحدث الأسلحة .. قوة نيران كثيفة ومفاجِئة لم يحسب لها حساب، صواريخ مضادة للدروع تستخدم للمرة الأولى فى الجيش الإسرائيلى، ودبابات “بشوكها” وبأعداد غير مسبوقة نُقلت الى الميدان مباشرة من مخازن الجيش الأمريكى .. ومع كل ذلك ظللنا ننتظر تدخل سلاحنا الجوى الذى مهّد لنجاح العبور لتخفيف الضغط علينا، لكنه غاب تماما عن ساحة المواجهة”


” دخلنا فى قتال شرس مع دبابات العدو مع أول ضوء وحتى العصر، ووصل الأمر الى حد قيام بعض دباباتنا بالإشتباك مع دباباتهم المتقدمة فى معارك تصادمية، وفى أوضاع غير متكافئة بالعراء .. استبسل قادتنا وجنودنا وألحقوا بها ما استطاعوا من خسائر، لكن العدو استمر فى الضغط على تشكيلاتنا بقوة النيران التى أتت على العشرات من دباباتنا وعرباتنا المدرعة، وعندما تزايدت خسائرنا فى المعدات والأفراد صدرت الأوامر لقواتنا بالتراجع الى داخل رؤوس الكبارى التى انطلقنا منها” وهكذا تبدد الأمل الذى راودنا بالوصول الى خط المضايق، وحققت اسرائيل أول نجاح تكتيكى على الجبهة المصرية منذ بداية الحرب .


انزويت فى جانب من الحفرة وأطلقت بصرى فى اتجاه الأفق البعيد، كانت الشمس تظهر وتغيب تحت غلالات من السحب العابرة فيما كانت رأسى مطوقة بالأسئلة الحائرة وأفكارى تنزف بلا توقف .. لماذا أخفقنا فى تطوير الهجوم الى المضايق؟ هل كنا مستعدين حقا لتحقيق هذا الهدف الذى لم يغب عن تفكير قادتنا قبل الحرب؛ الهدف الذى كانت تنتهى عنده مشروعات التدريب الميدانى التى شاركت فيها مختلف الأسلحة بالجبهة ؟!


.. لماذا اعتقد القادة أن الظروف لم تكن مواتية لتطوير الهجوم خلال الأيام الأولى للحرب عندما كان العدو فاقدا لإتزانه، وكيف رأوا الفرصة سانحة بعد أن عبأ العدو كل قدراته العسكرية والبشرية؟ لماذا اندفعنا الى الهدف عندما أصبح بعيد المنال وأشحنا عنه عندما كان فى متناول اليد ؟! .. لماذا لم نعد للأمر عُدته فور نجاحنا فى معارك العبور واحتلال رؤوس الكبارى؟ ألم يكن تطوير الهجوم هو المهمة التالية لقواتنا بعد هذا النجاح ؟!


.. لنفرض أن القيادة تغاضت أو تخلت عن تنفيذ خطة تطوير الهجوم بعد العبور ربما لكى لا تجازف بما تحقق فى ميادين القتال .. فما الذى غيّر موقفها ودفعها الى تنفيذ الخطة فى ظروف مختلفة وبدون استكمال مقومات تحقيق الهدف؟!


اقترب أحمد تيخا من موقع حفرتى ثم جلس الى جوارى صامتا، لاحظت وجهه المكدّر ونظراته الساكنة على غير عادته فبادرت بسؤاله :
ــ مالك ؟
ــ مخى ها يولع
ــ من إيه
ــ من اللى سمعناه
ــ انت كمان؟
ــ تفتكر هايقلبوا علينا بعد اللى حصل ؟
ــ مين ؟
ــ هايكون مين غير البُعدا
ــ ممكن طبعا .. بس المهم إننا نفضل جاهزين
ــ أنا قلت كده برضه
عاد تيخا الى صمته فعمدت الى إستفزازه لمواصلة الحديث
ــ انت خايف يا تيخا ؟
ــ خايف .. خايف من إيه !
ــ طيب ليه فكرت إنهم ممكن يقلبوا علينا ؟
ــ .. يعنى عشان أعمل حسابى
ــ حسابك فى ايه .. فهّمنى
ثبّت تيخا عينيه نحوى وأكمل بشىء من الجدية المصطنعة:
ــ شوف يا دفعه .. ماتآخدنيش يعنى .. أنا معرفش أحارب إلا لما أكون فاهم التكاتيك بتاعت العدو
نجح تيخا فى مراوغتى ربما لكى يبدو قويا فى هذه اللحظة، وربما لكى نخرج سويّا من دائرة التفكير فيما حدث الى فضاء الإستعداد لما يمكن أن يحدث، لم تسعفنى الكلمات للإستمرار فى مجادلته فاكتفيت بتسديد لكمة مزاح الى كتفه المكتنز بالعضلات، ولم أكد حتى استعاد وجهه الطفولى بعضا من ملامحه الباسمة.
* من رواية رجائى الميرغنى عن حرب أكتوبر.

08  أكتوبر  2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *