‏‏تشعر بـ‏الفخر‏ – من رواية اكتوبر

تعابين إسرائيل وتعابين الجبل
المزاج العام هذه الليلة يميل الى السكون وإيثار النوم المبكر، ربما بفعل الرغبة فى اقتصاد الحركة وادخار الكمية المحدودة من الماء التى تحصّل عليها كل فرد. حاولتُ أن أسلم نفسى للنوم لكن أرقا خفيا أفسد كل محاولاتى، بقيت مسهّدا أتقلّب برأسى فى جنبات السماء. عند منتصف الليل أحسست بوقع خطوات قادمة من الخلف، التفتُ فميّزت عيناى هيئة الضابط عبد اللطيف، التقت أعيننا فبادرنى ممازحا بالسؤال عن سبب بقائى ساهرا أعد النجوم، اكتفيت بالقول إنها إحدى عاداتى القديمة ولا توجد أسباب عاطفية من ورائها، ضحك الضابط ثم طلب منى إستدعاء زميلى كامل الأسوانى والحضور بسلاحنا على وجه السرعة الى حفرته، وخلال دقائق معدودة كنا والفضول ثالثنا فى حضرته.


أفصح الملازم عبد اللطيف بكلمات مختصرة عن السبب فى استدعائنا فى هذا التوقيت، قال إنه اختارنا للخروج معه فى دورية استطلاع ليلى للمنطقة الحرام التى تفصلنا عن العدو، ركّز الضابط نظراته الى وجوهنا ثم أردف : جاهزين ؟ قلنا بصوت واحد: جاهزين يافندم، رد الضابط قائلا: على بركة الله، ثم شرع فى شرح طبيعة المهمة وطريقة التحرك والتصرف فى المواقف المحتملة، وانتهى بالتشديد على استبعاد أى أشياء لامعة أو عاكسة للضوء بحوزتنا قبل التحرك.


أنهى الملازم اتصالا سلكيا بقائد السرية قبل أن يستدعى على إثره الباتشاويش شاكر وأفراد الخدمة، أحيط الجميع علما بمهمتنا والوقت المقدر لإتمامها حتى لا يختلط الأمر على أحد عند عودتنا، انصرفوا الى مواقعهم وهم يدعون لنا بالسلامة بينما كنا نتحرك بأسلحتنا خلف قائد الفصيلة لتنفيذ المهمة.


اجتزنا نصف المسافة الى الموقع الإفتراضى للعدو بخطوات سريعة أقرب ماتكون الى الهرولة، كان ضوء القمر المنعكس على الرمال الممتدة يفتح مجال الرؤية أمامنا لعدة مئات من الأمتار، وهو ما شجعنا على إحراز المزيد من التقدم، لكن الملازم عبد اللطيف نبهنا الى أن هذا الضوء لا يعمل لمصلحتنا وحدنا، وطلب منا إبطاء السرعة والتقدم بحذر خلال المسافة المتبقية حتى نتجنب أى مفاجآت. بعد دقائق من السير المحاذر أخذت الأرض تفقد استواءها وتسترسل مابين الإنخفاض والإرتفاع، التباب تستأثر بالضوء والوهاد تغرق فى الظلال، والحذر مطلوب فى كل الأحوال.


بعد قليل قادتنا المعاينة الميدانية الى تفسير المشهد الذى تكرر كثيرا أمام أعيننا خلال مواجهاتنا اليومية لدبابات العدو، فقد تأكد لنا أن الدبابات كانت تستثمر الانخفاضات والارتفاعات فى تنفيذ مناوراتها الدفاعية والهجومية، وأنها لذلك كانت تغطس وتختفى فجأة عن أنظارنا أو تظهر فوق الأرض دون مقدمات، والمدهش أنها رغم ذلك لم تفلح فى تضليل صواريخ المالوتيكا التى كسبت كل الجولات بجدارة، وفرضت على العدو سحب دباباته وآلياته المدمرة من ساحة القتال ربما لكى يخفى حجم الخسائر التى يتكبدها.


بدأت بعض الآثار التى خلفتها المعارك تلوح أمامنا مبعثرة هنا وهناك.. أجزاء متناثرة من جنازير الدبابات، مساحات ملطخة ببقع زيتية، جراكن وقود فارغة، مخلّفات أطعمة ومشروبات، وكلها إشارات تؤكد اقترابنا من مناطق تمركز العدو. توقف الملازم عبد اللطيف فجأة وأمرنا بالإنبطاح على الأرض ثم أشار الى ربوة مستطيلة الشكل فى مواجهتنا وهمس قائلا: هنوصل لغاية هناك زحف. زحفنا رافعين بنادقنا بأيدينا فى الوضع الأفقى بينما كانت أذرعنا تتناوب فى دفع أجسامنا الى الأمام، وأخيرا أوقفنا الزحف ونظرنا الى المشهد من أعلى حافة الربوة. تكشفت لنا مساحة من الخلاء الممتد فى الجهة الخلفية للربوة، استطعنا أن نميز بوضوح آثارا غائرة للعشرات من جنازير الدبابات فى منتصف هذه الساحة، وهنا تأكد لنا أن الإسرائيليين يستغلون هذا الخلاء فى تجميع دباباتهم قبل اطلاقها للهجوم علينا .. مكثنا نحو ساعة نراقب المكان الذى غلّفه سكون مطبق، فتشنا بأعيننا عن أدق التفاصيل، وقادتنا نواتج حفر حديثة الى الإهتداء لمصاطب تم إعدادها على عجل فى الجانب الخلفى من المنحدر، رجّح الضابط عبد اللطيف أن تكون المصاطب معدة لتثبيت مدفعيات أو دبابات توجه نيرانها لمواقعنا من خلف الربوة، وبذلك اتضحت طبيعة التجهيزات الهندسية التى عكفت عليها البلدوزرات والجرّافات الإسرائيلية فى ظهيرة الأمس. نظر الضابط الى ساعته وأومأ لنا بما يفيد اكتمال المهمة، شرعنا فى مغادرة المكان بينما كانت عقارب ساعتى تشير الى الثانية بعد منتصف الليل تقريبا .


فى طريق العودة أتيح لى أن أسأل قائد الدورية عن السبب فى اختيارى من رفاق الفصيلة لهذه المهمة، التفت ناحيتى بابتسامة عريضة وأجاب: انت مش كنت صحفى قبل ماتدخل الجيش؟ أومأت بالإيجاب فأكمل: يعنى بتفهم فى جمع المعلومات والأخبار، لم أكد أنطق بالموافقة حتى قاطعنى مستدركا: بس طبعا معلومات الجيش مش للنشر.


شجّع سؤالى زميلى كامل للسؤال عن السبب فى اختياره هو الآخر .. صمت الضابط برهة ثم أجاب: انت عايز الصراحة؟ فرد كامل: طبعا ياحظابط، تردد الملازم عبد اللطيف قليلا ثم أجاب: بصراحه أنا جايبك عشان التعابين. أثارت الإجابة دهشتى لكنه أكمل موجها حديثه لكامل: انت مش رفاعى وبتعرف تلم التعابين، قال الأسوانى: طبعا وواخد عهد، رد الملازم: تمام، أنا جبتك معايا عشان بخاف م التعابين .. فهمت؟ تظاهر الأسوانى بالفهم لكنه استدرك موجها حديثه للضابط: معقوله حظابط اللى مش فارقه معاه تعابين اسرائيل بيخاف من تعابين الجبل؟!

07  أكتوبر  2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *