بين السياسة و” المسايسة “

إذا كان أغلبية المصريين لا يهتمون بالسياسة ( 64 فى المائة ) وفقا لآخر استطلاعات مركز المعلومات بمجلس الوزراء، فالمؤكد أنهم، فى المقابل، يجيدون ” المسايسة “، وهى فعل مشتق من السياسة، لكنه يختلف عنها جوهريا من حيث المضمون والوسائل، فالإهتمام بالسياسة يتحقق بالمشاركة الإيجابية فى توجيه السياسات التى تخص الشأن العام ، ويتجسد من خلال الإرتباط المنظم بالمؤسسات الحزبية والشعبية المؤهلة للقيام بهذا الدور، أما المسايسة فهى اسلوب مصرى قديم ُصمم لتجنب المواجهة السياسية المباشرة بين المحكومين والحكام ، إتقاء لبطشهم وطمعا فى تخفيف حدة غلوائهم أو تخفيض سقف أوامرهم ونواهيهم .

ومن أوليات المسايسة أن يظهر الشعب خلاف مايبطن، أو على الأقل أن يتجنب التعبير الصريح عن موقفه الحقيقى مما يعانيه ، ولعل ذلك يفسر إجابة 84 فى المائة فى نفس الإستطلاع بأنهم يشعرون بالسعادة ، من بينهم 10 فى المائة يشعرون بسعادة طاغية، وغير بعيد عن دائرة هذا التفسير انتظار الحكومة من جانب 61 فى المائة من المشاركين فى الإستطلاع لكى تتحمل مسئوليتها فى توفير احتياجاتهم ، وهو مايتسق مع ميل الأغلبية للبعد عن المشاركة السياسية ، وبذلك نجح الإستطلاع فى القاء الضوء على موقف المسايسة الذى يلجأ إليه عامة الناس، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن آرائهم فى القنوات الرسمية .

وتتفاوت أشكال المسايسة بإختلاف الأزمنة والأنظمة وأنواع المصالح ، ففى الوقت الذى يلجأ فيه المواطنون البسطاء الى مسايسة رؤسائهم المباشرين فى العمل، أو صغار موظفى المصالح الحكومية وأجهزة الأمن لقضاء حاجاتهم ، فإن نحو ثلاثة ملايين مواطن، طبقا لبيانات أعلنها قادة الحزب الوطنى الحاكم ، سلكوا الطريق المختصر لضمان تلبية مطالبهم المشروعة وغير المشروعة ، من خلال عضويتهم بالحزب واقترابهم من دائرة أصحاب النفوذ والسلطة، وعلى حين يعتبر كهنة الحزب هذا الرقم دليلا على المشاركة والثقة السياسية فى قيادته ، يعرف الجميع أن القرار السياسى الحقيقى للحزب وحكومته يجرى تحضيره وإطلاقه من مطبخ معزول، يتصدره رئيس لجنة السياسات وأصفياؤه من رجال المال والأعمال .

لحظات قليلة من عمرنا السياسى الطويل هى التى تخلى فيها الحكام عن سياسة الناس واضطروا الى مسايستهم ، أو تلك التى كفّ فيها الناس عن مسايسة الحكومات واختاروا سياسة أنفسهم ، ولذلك فقد ظل ميزان العدالة مختلا ؛ الولاء للحكومة وليس للشعب ، الحكومة تسوس والشعب يساس أو يسايس ، المفاهيم أيضا انقلبت ، السياسة أصبحت رابع المستحيلات ، والمسايسة تحولت الى فن الممكن .

.. الى متى ؟

رجائى الميرغنى

[email protected]

**********

23  أغسطس  2020

1 Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *