المشروع القومى .. حرية

الجانب الأكبرمن تعليقات الصحافة يدور حول ماوصل اليه حال مصر ، وهناك إحساس عام بالأزمة فى الكتابات التى ترصد مظاهر الإعتلال والخلل البادية للعيان ، أو المشغولة بالبحث عن الميكروب أو ” الفيروس ” الخفى الذى يتسبب فى الإحتقان السياسى والإجتماعى والطائفى المتصاعد ، أو تلك التى تطمح الى الوصول الى تفسير ( تاريخى ـ اجتماعى ) لإنحدار مصر ، وطنا وشعبا ، الى ماصارت اليه من تخلف وعجز وهوان .

توصيف الحالة ” المتأخرة ” للمحروسة لا يختلف عليه أحد ، باستثناء من يدورون فى فلك أباطرة الخصخصة والفساد بطبيعة الحال ، لكن الرؤى تتباين الى حد التضاد عندما يتخندق أصحاب الرأى والإتجاه الواحد فى قوالبهم الأيديولوجية الجامدة ، أو لحظة أن يخرجون على بعضهم فى حروب كلامية مريرة ، من أول السلفيين وأشباههم الذين يردون كل بلاء الى البعد عن الشريعة ، مرورا بأطياف القوميين واليساريين والليبراليين الذين يختزلون المحنة فى افتقاد الزعامة ، أوانعدام العدالة الإجتماعية ، أوغياب الديمقراطية ، وإنتهاء بجهابذة الحزب الوطنى الذين يبررون كل المصائب بتأثير قوى ” خارجية ” تستهدف زعزعة أمن واستقرار البلاد .

ومع أننى من أنصار التعددية السياسية والفكرية بلا تحفظ ، إلا أننى أعتقد أن تعددية ” الخطوط المتوازية ” ليست أكثر من تعددية صامتة ، شأنها فى ذلك شأن الأغلبية الصامتة التى لا تعتنى إلا بشئونها الخاصة ، فالتعددية المنكفئة على ذاتها لا تتفاعل إلا مع ما يخصها ، ولا تتفاهم سوى مع حوارييها ، وفى زمن الأزمات الكبرى تمس الحاجة الى فهم مشترك يجمع كل الفرقاء المهمومين بمصلحة الوطن ومصير الشعب ، ويعزز فرص الإجماع الوطنى على أهداف مشتركة لإجتياز نطاق الأزمة والوصول الى بر الأمان .

وقد يتصور البعض أن العمل المشترك من أجل هدف واحد يتناقض مع جوهر التعددية التى تقوم على المنافسة وإبراز التمايز والإختلاف ، والحقيقة التى يمكن استقاؤها من التاريخ المصرى تؤكد أن التقاء القوى الوطنية حول هدف الإستقلال والجلاء والحياة الدستورية لم يصادر حق أى منها فى الإختلاف فيما دون ذلك ، وأن مصادرة هذا الحق فيما بعد 23 يوليو لم تأت من المجتمع المدنى ، وإنما بفعل التدخل الإستثنائى للجيش فى الحياة السياسية ، وهو مالم يكن ليحدث إلا فى ظل انقسام وتطاحن وعجز المجتمع المدنى وقواه السياسية.

وإذا كانت كل التصورات والمنطلقات السياسية المطروحة لإنقاذ مصر مما آلت اليه لاتدّعى قدرتها على تحقيق أهدافها الخاصة بمفردها ، ولا أن تقيم نموذجها السياسى الخاص ، سواء كان دولة دينية أو ليبرالية أو إشتراكية ، فى ظل النموذج التسلطى القائم أو حتى على أنقاضه ، فإن التساؤل الواجب والملح هنا يظل حول عجزنا ـ جميعا ـ عن صياغة نص مشترك بمفردات عديدة وأبناط متنوعة نقول فيه بوضوح .. إن المخرج الصحيح من الحالة الحرجة التى نعيشها ، هو الدخول – جماعة – الى ساحة المعركة من أجل الحرية .

الحرية ، بكل ما تعنيه من مسئولية وأعباء مشتركة ، الحرية كهدف يسبق العدالة والشريعة والديمقراطية هى المشروع القومى الوحيد القادر على انتشال مصر من وهدة القهر والفساد والإنقسام ، والإرتفاع بها الى مصاف الأمم العزيزة .

.. والحديث موصول .

رجائى الميرغنى

[email protected]

23  أغسطس  2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *