أسامة الرحيمي‏ 

رحم الله النقابي النابه “رجائي الميرغني”
رجائي الميرغني من أولئك الموهوبين الذين يمرون في الحياة مرورا رائعا لكثرة مواهبهم، ووفرة إمكانياتهم، يرسم لوحات بديعة بيمينه، وينثر الشعر الجميل العميق بيساره، ويغرس قيما مهنية بمهاراته وقناعاته الفكرية الواضحة، ويكرس مواقفه النقابية بمثالية موحية، تشيع آثارها الإيجابية في محيطه كضوء الصباح الباهي.

كان وجدانه غنيا بالطاقات الخلّاقة، ومواهبه تناديه، وتتجاذبه من أكمامه، الرسم يرجوه التفرغ له، والشعر يتمنى أن يختصه باهتمامه، والصحافة تستزيده من عطائته، ولأنه كان كريما، رسم بعض شوارده، ونظم رباعياته الجميلة وسط فطاحل العامية، ووصل إلى نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، بمهنيته العالية. لكنه ظل يفضل العمل النقابي أكثر من غيره لأنه يفيد الجماعة الصحفية بمختلف أطيافها، بلا تفرقة، وبما امتلكه من نزاهة، وصبر، وحكمة، وثقافة نقابية موسوعية، فلم أر من يلم بتاريخ النقابة، والصحافة، وقوانينها، وإنقلابات السلطة عليها، وعلاقتها بالأيدلوجيات، وطبائع المؤسسات والناس، وترتيبات الانتخابات ومؤامراتها ومفاجآتها مثله.

كان ينصت للجميع، ويتحدث ببراعة في كافة الشؤون النقابية، فيقبض تلابيبنا، ويبهرنا بمعرفه، ويمتلك حساً دقيقا ومقياسا رهيفا للاتجاهات والتوقعات وغالبا تؤكد النتائج بعد نظره، وعمق رؤيته.

وكان مرجعية موثوقة، في النضال النقابي، وتاريخ شنكلة الحكومات للحريات، وفي الانجازات التراكمية للجماعة الصحفية، وأسباب انتكاساتها أحيانا، ودهلزة المخبرين في الاجتماعات والمؤتمرات وغيرها، وبرع في تفادي مزالقهم المدبرة بلوع واحتيال، فاستغرق إخلاصه النقابي معظم وقته، وخطفه من بقية مواهبه المتحققة، التي استحلفته طويلا، لكن ضميره الوطني لم يطاوعه في التفرغ للفن، إلى أن ضعفت الصحة وقلّت الحركة، فأقبل على لوحاته يطيب خاطرها، وأغدق على رباعياته الرائعة من مكنونات قلبه، ولجمالهما أحسست أن العمل العام، وكلامه الذي كان يبهرني حين يتصدى لأية قضية جوهرية، حرمنا من فنان كبير كان له شأن كبير في شعر العامية والرسم لو أطاعهما منذ البداية.

لكنها المقادير.. تجري في أعنَّتِهَا..
وكانت بطلته بجانبه في كل مراحله، كتفا لكتف، وخطوة بخطوة،. وقناعة بقناعة، زوجته المناضلة «خيرية شعلان»، الصنديدة، الواعية، الصابرة، المولودة بابتسامة وضيئة، وعاشا واحدة من قصص الحب التي يتحاكى بها الرُكبان، وتتناقلها الأجيال، حتى باتا لفرط الالتصاق توأما متماثل.

وأثمرا سوسنة وحاتم، رأيتهما كثيرا في الميدان أيام «يناير البهية»، والتقطت لهما صورة فريدة وهو يهديها وردة، وأعتز بتلك اللقطة، لأن حبهما الصامد ومض بقلبي وأضاء المشهد ببهاء الإخلاص، وأهديتها إليهما لاحقا، حباً وتقديرا.

اليوم.. بقدر حزني لرحيله وألم الفقد، تظل قناعتي بأن مثله لا يموت. يرحل الجسد وحسب، وتظل السيرة الطيبة، ويبقى نضاله النقابي ناصعا في وجداننا وتاريخ مهنتنا المغبونة، التي تكالبت عليها الضغوط، وأرهقتها المكائد، لكنها ستنهض مع الوطن بأسره، وسنستلهم من كفاح «رجائي الميرغني» الكثير مما يقيلنا من عثراتنا النقابية، ويمنحنا قوة إضافية في نهضتنا المرتقبة، من يترك لنا هذا الإرث، والحلم، والمثال، مع لوحاته وقصائده، يظل حياً في قلوبنا، وتلمع مآقينا ببريق مواهبه ومواقفه المبدأية، لا بالدموع،
رحم الله «رجائي الميرغني» الباقي بيننا
قلوبنا مع أختنا العزيزة «خيرية شعلان»، وسوسنتها، وحاتمها!
ولهم أصدق التعازي.

23  أغسطس  2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *