لويس جرجس

حرية الصحافة من أحمد حلمي إلى رجائي الميرغني
فقدت الصحافة المصرية أمس واحدًا من كتيبة المدافعين المعاصرين عن حريتها وحرية العاملين فيها، وعن حقوقهم المادية والمعنوية. فقد رحل عن دنيانا الصحفي الكبير رجائي الميرغني بعد حياة حافلة بالمواقف المشرفة دفاعًا عن حق المواطن المصري في المعرفة دون رقيب غير ضمير الصحفي الحر.

ساهم الميرغني ـ منذ بداية عمله بالصحافة في 1970، محررًا بوكالة أنباء الشرق الأوسط ـ مساهمة ايجابية في العمل النقابي من خلال نقابة الصحفيين، وتكللت جهوده المخلصة منذ ذلك الحين، في الدفاع عن المهنة وعن المشتغلين بها، بانتخابه عضوًا بمجلس النقابة في عام 1995، وهي السنة التي شهدت تصدي الصحفيين المصريين للقانون 93 لسنة 1995 الذي أطلقوا عليه “قانون اغتيال الصحافة”، نظرًا لما تضمنه من قيود شديدة على حرية الصحافة والصحفيين. كانت مساهمة الميرغني في المعركة مساهمة ايجابية علمية، حيث شارك مع لجنة تضم عددًا من الصحفيين والقانونيين المشهورين بدفاعهم عن حرية الرأي والتعبير، في إعداد مشروع قانون بديل للصحافة يتيح لها حرية العمل، في مواجهة مشروع القانون الحكومي المرفوض من جموع الصحفيين.

الحزن على رحيل رجائي الميرغني، فتح شريط ذكريات تاريخ معارك الصحافة والصحفيين، في مواجهة محاولات تقييدها ووضع الأغلال في أيدي المشتغلين بها، حتى يتحولوا من أداة تنوير وتطوير للمجتمع، إلى أداة في يد الحكومات المتعاقبة.

في هذا السياق، يحدثنا التاريخ قائلًا إن مصر شهدت في وقت مبكر من تاريخها الحديث، في أوائل القرن العشرين، وتحديدًا يوم 31 مارس 1909، أكبر مظاهرة شعبية تطالب بالغاء إعادة العمل بقانون 1881 الذي يحد من حرية الصحافة والصحفيين. وهو القانون الذي أصدرته وزارة شريف باشا إبان ثورة عرابي ضد التدخل الانجليزي في الشئون المصرية، ليضع قيودًا شديدة على الصحافة ويحد من حريتها في تأييد الثورة العرابية. سار في مظاهرة سنة 1909 التي جابت شوارع القاهرة، 25 الف متظاهر، وهو عدد كبير جدًا بالمقارنة بعدد سكان مصر وقتها(حوالي 10 ملايين)، وكان على رأس المظاهرة الصحفي الثائر أحمد حلمي، صاحب جريدة “القطر المصري”، وهو جد الشاعر والفنان الشامل صلاح جاهين.

بعدها، وطوال سنوات العهد الملكي خاضت الصحافة المصرية معارك الحرية في مواجهة استبداد حكومات الاقليات في الثلاثينيات والاربعينيات، برئاسة كل من أحمد زيور ومحمد محمود واسماعيل صدقي. وفي أواخر العهد الملكي، وصلت محاولات تقييد حرية الصحافة إلى حكومة الوفد أيضًا التي قدمت للبرلمان قانونًا في 1951 يهدف لوضع قيود على الصحافة والصحفيين عقب حملات صحفية تنتقد أداء الحكومة والملك، قدم مشروع القانون النائب استيفان باسيلي، عضو الهيئة الوفدية متضمنًا تغليظ عقوبات النشر. انتفض الصحفيون حينها، وأيدهم من داخل البرلمان عدد من نواب الوفد ذاته، ومنهم عزيز فهمي الذي تساءل: “كيف تكون حكومة الوفد التي تنادي بالحريات معولًا لهدم الحريات”، استمرت المعركة حتى أُجبِر باسيلي على سحب مشروعه.

بقيام ثورة 1952 وخوضها معارك التحرير والبناء والعدالة الاجتماعية، تغاضى كيثر من الصحفيين عن المطالبة بحرية الرأي، اقتناعًا منهم بان مساندة الثورة في معاركها يتطلب حشد كل القوى خلفها، ثم اتضح خطأ هذه النظرة حينما وقعت النكسة وكان غياب الديمقراطية وحرية التعبير واحدًا من أسبابها ضمن عوامل أخرى. بعد تحرير الأرض في 1973، ومع الاتجاه نحو الانفتاح الاقتصادي، جرت محاولات لاعطاء حرية أكبر للصحافة في عهد الرئيسين السادات ومبارك ولكن لم يكتب لها الاستمرار، حيث لم يتحمل تلك الحرية المستفيدون من الحكومات القائمة. ومازالت الصحافة تتطلع لمزيد من الحرية.

“مع السلامة ياعم رجائى”

23  أغسطس  2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *