يحيى قلاش

كتب قلاش مقالة لجريدة الشروق عن رجائى

رجائى الميرغنى
نشر فى : السبت 13 يونيو 2020 – 8:20 م
هذا وداع يليق بك وحدك يا رجائى، فمن حيث أرادت الجائحة أن تحرمنا من عزاء بحجم ما لك فى قلوب محبة ومن عارفى فضلك وقدرك ومكانتك، فإذا انفجار طوفان من مشاعر وعواطف خرجت من كل فج لتلتقى وتتجمع على وسائل التواصل فى مظاهرة حب وتقدير وتعزف على سيرتك الطيبة.. وعلى قدر صدمة فراقك وفقدك، لفتنى يا رجائى أن أتلقى العزاء فيك كأسرتك الصغيرة وعائلتك، فلم يتوقف هاتفى عن الرنين، أغلبهم من شباب لم يعاصروك فى موقعك النقابى لكنهم نبت ما سعيت له من زراعة قيم الأمل والحرية والإيمان بالمستقبل، وشخصيات عامة محترمة تقدر مكانتك، وبسطاء من المتابعين لمعارك الحرية أغنياء بالوعى وإدراك قيمة الناس. مشوار طويل منذ تعارفنا تآلفت فيه الأرواح والمواقف والمعارك والهموم. أنت من جيل سبقنى قليلا، تلاقينا على ثقافة لم تفرق بين المهنة والكيان النقابى، كانت العلاقات المباشرة شبه اليومية هى وسيلة التواصل، ولم يكن جيلنا يعرف بعد هذا العالم الافتراضى الذى يسود الآن حيث تبددت الطاقة بالتنفيس وتراجع كثير من الفعل. دورة حياتنا لم تكن تكتمل إلا بالالتقاء يوميا فى النقابة بعد انتهاء العمل. قضايا المهنة وعلاقات العمل والحريات والأمور العامة وحدة واحدة نلتف حولها، وعليها يدور الحوار ويتم الحساب مع أى مجلس إدارة منتخب للنقابة، ومنها يتم الفرز لبعض قيادات نقابية طبيعية تتقدم الصفوف وتتحمل المسئولية. فى هذا المناخ اكتسبت الجمعية العمومية حضورها وقوتها التى لم يكن أى مجلس مهما كان تكوينه أو توجهه يستطيع أن يتجاهلها أو لا يعمل حسابها. فى هذا الأجواء عرفتك.. رجائى الإنسان الخلوق، البشوش، المثقف، المتواضع بكبرياء والمهنى المتميز، وصاحب الموقف. كان ذلك قبل سنوات من قرارنا خوض انتخابات عضوية مجلس النقابة ١٩٩٥، لنبدأ معا مشوارا نقابيا طويلا قدر لنا ان تكون بدايته ساخنة، عندما داهمنا القانون ٩٣ بعد عدة أسابيع لوضع مزيد من القيود على حرية الصحافة والصحفيين، واستمرت مواجهته نحو عام بجمعية عمومية مفتوحة. وهنا يتجلى دور عدد من أعضاء المجلس يتقدمهم رجائى الهادئ، والحاسم، ذو العقل الرشيد، والمنظم، والدءوب. وأذكر له عشرات المواقف والأدوار، وعندما نعود لأدبيات هذه المعركة أقول باختصار ودون إهمال لإدوار كثيرين من داخل المجلس أو خارجه أو لقيمة واهمية العمل الجماعى والمؤسسى التى حكمت إدارة هذه الأزمة، إن بصماته ستظل واضحة فى صياغة وثائقها، والتعبير الرصين عما كانت تنتهى إليه مناقشات المجلس، وما يصدر عنه من مواقف وقرارات. وأذكر فى هذه المعركة موقفا يبين بعضا من خصاله ومنطقية تفكيره، فقد كان إيقاع الأزمة سريعا والحكومة على مدى شهور تبدى فى الظاهر نية الحل وعلى أرض الواقع تتلاعب وتلتف وتتحايل، وكان لابد من أمر «يقلب الترابيزة» ويحدث صدمة، واختمرت فى ذهنى بالتشاور مع الزميل الراحل مجدى مهنا، وكان شخصية نقابية ديناميكية ومخلصة، أن يعلن مجلس النقابة استقالته وترك أمر المواجهة للجمعية العمومية، وقال لى مجدى: «لكن عليك إقناع رجائى بالفكرة حتى يمكن أن نمررها فى المجلس»، وكنت أتحسب للمهمة ــ رغم قربى منه ــ لأننى أدرك أن فهمه للأمور كمقاتل فى حرب اكتوبر ربما يفسر الفكرة باعتبارها هروبا من الميدان فى قلب المعركة، وناقشنى رجائى ودفعت له بمنطق أن الاقتراح تكتيك للهجوم وليس هروبا وأننا ليس لدينا ما نخسره، وفعلا كان اقتناعه هو المدخل الذى سهل موافقة المجلس بالإجماع وإعلان قرار الاستقالة، الذى انضم اليه بعد ذلك النقيب إبراهيم نافع بعد عدة أيام أمام اجتماع للجمعية العمومية، وأحدث هذا الأمر تحولا فى ادارة المعركة ووقف مناورات التلاعب وتقرر أن نلتقى رئيس الجمهورية للمرة الثانية وانتهت الازمة بانتصار إرادة الصحفيين.

رجائى كما عرفته لم يكن يحركه إلا منطق وقناعات ولم يكن من أهل المواءمات التى تتسلل كثيرا إلى العمل النقابى فتدخل من الشباك كى تخرج المبادئ والمواقف من الباب.. كان نقابيا أصيلا وحقيقيا مهما اختلفت معه، وليس «نقابنجى» كما أحب أن أطلق على الذين يمتطون العمل النقابى لأغراض وأهداف أو طموحات خاصة. عندما تولى رئاسة اللجنة الثقافية، عاش رجائى شهورا طويلة فى بدروم مبنى النقابة القديم، يحافظ ويصنف أطنانا من الصحف والدوريات والوثائق النادرة التى تحتفظ بها النقابة لينقذها من الضياع والتلف، ويمهد لحفظها بالتقنيات الحديثة (وهو ما تم عام ٢٠١٦ بتوقيع بروتوكول مع مكتبة الإسكندرية)، وتعرض فى سبيل ذلك لمشكلة صحية فى الصدر ولمرض جلدى تعافى منه بعد فترة من العلاج. كان المثقف والوطنى بداخله لا ينفصل عن عضو المجلس المسئول. وأذكر أننا خضنا معا معركة الحفاظ على جدارية المثال الكبير فتحى محمود التى كانت تتصدر مبنى النقابة القديم، فعندما تقرر هدم المبنى والانتقال لمقر مؤقت حتى يتم الانتهاء من المبنى الجديد اشترطنا الحفاظ على الجدارية (وكان هذا للأسف مثار سخرية من بعض اعضاء المجلس). وخاطبنا فاروق حسنى وزير الثقافة فى ذلك الوقت الذى أرسل بعض الخبراء الذين اكدوا القيمة الفنية النادرة للجدارية وصاحبها، وأبدت الوزارة استعدادها لرفعها بطرق علمية وفنية تحافظ عليها. واقترح الوزير أن تأخذها الوزارة ضمن مقتنياتها فى حال إذا كانت النقابة لا تريد الاحتفاظ بها. فى الوقت نفسه كان مقاول هدم المبنى قد بدا عمله بهمة وتسارع للانتهاء من مهمته، واستمر الضغط علينا للتنازل عن أمر الجدارية، وخشينا ان يتهور المقاول فيصيبها بأى اذى، خاصة بعد أن بدت شامخة على جدار وحيد باق فى ساحة مهدمه تماما.. وما كان منا إلا التناوب على حمايتها، وتهديد المقاول العجول، ومتابعة واستعجال وزارة الثقافة حتى تم التنفيذ وجرى نقلها إلى المبنى المؤقت. وفى هذا المبنى بدأ فصل آخر فى مشوار حماية هذه الجدارية التى احتلت على مدى ٣ سنوات غرفة بمواصفات تضمن درجات ونسبا معينة من التهوية والرطوبة. وفى يوم فوجئنا بالأستاذ مكرم وكان نقيبا وقتها يأمر بإفراغ الحجرة مما بها واستغلالها فى نشاط آخر، هرعنا اليه رافضين وكانت من المرات القليلة التى اجد فيها رجائى لا يقول رأيه بل ينذر من أمامه!.. انتصرنا فى «معركة الجدارية» وانتقلت معنا إلى المبنى الجديد لتحتل صدارة قاعة الدور الرابع لتكون جسرا تحكى قصة مبنيين وشهادة على تفكير عصر التقى فيه بغير اتفاق معلن الذين اعتبروا الجدارية من الأصنام مع من غلبوا قاعدة المكسب والخسارة وسعوا لإهدار كل قيم الجمال وإعلاء كل ما هو قبيح!!. وأشهد لرجائى عندما تولى رئاسة لجنة القيد أنه عمل بضمير قاض ورفض طريقة «الكوته» التى تحدد أعداد القبول من كل جريدة وتحمل عن طيب خاطر تبعات ذلك فى ظل ثقافة نقابية كرست مفاهيم لم يستسلم لها. كان يهمه تطبيق القانون وأهلية المتقدم للعمل بالمهنة وحرصه على دراسة ملف وقراءة اعمال كل متقدم. وفى سبيل ذلك كان يحمل الملفات فى «شوال» ويأخذها إلى منزله لأن الوقت بالنقابة لا يتيح له هذا الأمر كما يريده. ظلت النقابة بالنسبة لرجائى ــ فى كل الأوقات ــ شأنه شأن النقابيين العظام هم واهتمام وحياة، يلبيها عندما تدعوه، ويأتى اليها عندما يشتاق، ويهرع إليها إذا تعرضت للأذى من غير دعوة، ويسعد بالجلوس فيها مع الشباب ناثرا خبراته ونصائحه بحب واحتواء. وظلت يده ممدودة دائما بالمشورة والخبرة وأداء أى دور إذا كان خالصا لوجه النقابة والمهنة ومصالح الزملاء.

سأفتقدك يا نقيب كما كان يحلو أن أخاطبك وكما كنت أرغب واسعى باعتبار ان المقعد كان جديرا بك.. لكن عزاءنا أننا نعيش فى حقبة تعادى كل ما هو مخلص ومستقيم ومتفان.. فما بالك وانت عاشق لوطنك وقاتلت دفاعا عنه وكدت تدفع حياتك من اجله وكنت ترجئ نشر يومياتك البديعة وشهادتك عن مشاركتك فى معركة المزرعة الصينية بحرب اكتوبر ٧٣ التى أطلعتنى على بعض فصولها وكأنك كنت تريد ألا تفاخر بواجب قمت به. أجزم أنك ألان رغم خسارتنا التى لا تعوض برحيلك غير جزع لأنك كعادتك عشت الحياة كما تحب وأخلصت لقيمك وأعطيت بلا حساب.. وداعا يا رجائى.

23  أغسطس  2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *