عندما دافع رجائى الميرغنى عن حرب 73

..في عام 1990 عقد الرئيس اليمني علي عبدالله صالح مؤتمرا صحفيا لإعلان مؤازرته لصدام حسين في غزوه الكويت، ومباركته خطوات عودة الكويت للوطن الأم باعتبارها إقليما عراقيا، وصال صالح وجال في كلمته معربا عن فخره بما صنعه الرئيس العراقي وعبقريته في إدارة “أم المعارك” التسمية التي أطلقت على هذه الحرب، وعقب ذلك بدأ الصحفيون يوجهون الأسئلة للرئيس اليمني ، وسأل مدير مكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط في صنعاء رجائي الميرغني الرئيس حول: توقعاته لنتائج الحرب وآثارها على المنطقة وشعوبها، فرد صالح: “أم المعارك” ستنقل المنطقة بأكملها إلي مكان وتاريخ أفضل، مكملا بحماس : إنها ستكون حرب انتصار كبير في تاريخ العرب وليست حرب هزيمة كحروبهم في 67 و 73 .. ولم يكد صالح ينطق بكلماته الأخيرة حتي انطلق صوت الميرغني مقاطعا له وبقوة: فخامة الرئيس تعلم جيدا الظروف المتعلقة بحرب  67  ، ويكفي أن أذكركم أن خيرة شباب الجيش المصري، كان هنا في اليمن يدعم إقامة الجمهورية واستقرار الأوضاع -مضيفا بنفس الصوت الجهوري الثابت-، أما حرب 73 فهي حرب انتصار بامتياز شهد لها العالم ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك، واستطرد الميرغني، إنها الحرب التي حررت الأرض ورفعت رؤوس العرب جميعا إلى عنان السماء، وفي تصرف تلقائي أشار بيده اليسرى تحت إبطه الأيمن .. قائلا: لقد كنت واحدا من الجنود المصريين الذين حاربوا في 73، جندي من مليون مصري شاركوا في تحقيق هذا الشرف وأصبت بشظية مدفعية ما زلت أحمل أثرها في جانبي.
وعند هذه النقطة من الرد تدخل الدكتور عبد الكريم الأرياني وزير الخارجية اليمني -في ذلك الوقت-، وقدم مبررات لما قاله الرئيس اليمني، عن حرب أكتوبر بقوله إن الرئيس يتحدث بتلقائية وحماس لفخره بالنصر الذي تحقق لـ “أم المعارك”، محاولا تخفيف حدة خطأ صالح، منوها إلى أن اليمن تفخر بحرب أكتوبر وأن فصيلا من الجيش اليمني شارك ضمن القوات العربية المساندة للجيش المصري في 73.
وفي تمتمات سريعة ومبهمة أيد الرئيس اليمني ما قاله وزير خارجيته المحنك، وتم لملمة بقايا المؤتمر الصحفي بسرعة لينفض السامر، وليبدأ سامرا آخر ترتب على ما حدث، وتوالت ردود الأفعال حيث تجمع الصحفيون حول الميرغني، خاصة اليمنيين منهم يرجونه عدم إرسال الجزء الخاص بحرب أكتوبر في رسالته التي سيرسلها لوكالته حتى لا تحدث أي مشاكل بين البلدين أولا وحفاظا على الميرغني وعمله في اليمن وأسرته، وقيل له:
-انت عندك عيال خاف عليهم
وكان رد الميرغني نهائيا:
-أنا عندي ضمير قبل أن يكون عندي عيال.
عندما عاد للبيت توجه لمكتبه مباشرة وحين انتهى من إرسال المؤتمر الصحفي لمقر الوكالة بالقاهرة، روى لي ما حدث تفصيلا وقال لي مباشرة أنه من المحتمل أن أتعرض لأية ضغوط مما يستلزم الاطمئنان عليك وعلى سوسنة وحاتم لذلك أخذت قرارا بسرعة الحجز لكم للعودة إلى القاهرة. لم أقتنع بالفكرة ورفضتها تماما وصممت على البقاء معه أنا والأولاد حتى تنتهي هذه الأزمة التي لا نعرف كيف سيتعامل معها اليمنيون، ومع إصراري وافق مضطرا.
تلقى رجائي في نفس النهار اتصالا من السفارة المصرية في اليمن أبلغه خلالها السفير:
-السفارة مش مسؤولة عن تجرأك على الرئيس اليمني ولن نتمكن من حمايتك
-شكرا معالي السفير، أنا قادر على حماية نفسي وأسرتي ومتمسك بمواثيق الشرف الصحفية وأخلاق مهنتي، وأتبع نقابة الصحفيين المصرية وأمثل وكالة الأنباء المصرية الرسمية، ومتمسك بما قلته للرئيس اليمني من منطلق وطني .
كان المؤتمر الصحفي بمثابة طوق نجاة لعشرات الآلاف من المصريين العاملين في اليمن حيث أذاع التليفزيون اليمني في كافة نشراته وعلى مدار اليوم المؤتمر الصحفي للرئيس كاملا بلا أي اختزال أو مونتاج.
كان اختلاف المواقف السياسية لكل من مصر واليمن تجاه غزو الكويت سببا في تعرض مواطني الدولتين لضغوط معنوية ومادية نتيجة لهذا الموقف، فالموقف السياسي المصري كان مساندا للكويت في مواجهة الموقف السياسي اليمني المساند للعراق، وتحمل المواطن البسيط من كلا البلدين تبعات هذا القرار في شأن لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وكما تعرض المصريون للضغوط في مواقع عملهم في اليمن، ذاق اليمنيون العاملين في دول الخليج والسعودية الأمرين وتم ترحيل الكثير منهم .
لقد كنا نفتح بوابة بيتنا الخارجية كل يوم ونجد عليها كلمة واحدة مكتوبة بالطباشير “الفراعنة”، وقمت مرات عديدة بمحو الكلمة ولكن مع كل صباح أجدها مكتوبة وبإصرار، وحين أبديت ضيقي من ذلك .. كان رجائي يبتسم بود ويقول لي أنهم بسطاء وأنت صحفية وتدركين ماذا تفعل آلة الإعلام في عقولهم ونفوسهم، ثم يكمل وما الضرر من كلمة فراعنة إنها وسام وليست سبا أو قذفا “هو احنا مش فراعنة فعلا”؟!!
كنت ابتسم راضية لتفسيراته وتسامحه وإصراره على التمسك بمبادئه التي لم يحد عنها يوما في أشد وأصعب المواقف.
ويشهد الله أننا تلقينا من الحب والفخر والدعاء من المصريين في اليمن على موقف رجائي في المؤتمر الصحفي ما أسعدنا ليس لما قام به رجائي ولكن لما إستطاع أن يقدمه لهم من حماية معنوية ودعم إنساني قام به بشكل فردي وذلك لوطنيته ومبادئه المترسخة في شخصيته.
كنا نقابل المصريين في الشارع أو ونحن في سيارتنا وحين يلمحون رجائي يرفعون له علامة النصر بأصابعهم أو يطرقون زجاج السيارة فيقف وينزل يحادثهم. فمنهم من يشكره ومنهم من يحتضنه وآخرون يلهجون بالدعاء له والفرحة تملأ وجوههم.
وأعترف أن المواقف المتوترة والضاغطة خفت تدريجيا بسرعة التدخل لاستعادة الكويت ولكن العنصر الأكثر صدقا هو طيبة أهل اليمن وسماحتهم وقد تأكدت من محبتهم لمصر والمصريين طوال فترة وجودي هناك وامتنانهم الدائم لما قدمته مصر لهم على كافة المستويات بدءا من مساندة قيام الجمهورية للدعم في كل المجالات وعلى رأسها التعليم والصحة.
وكان مسك الختام لردود الأفعال تجاه المؤتمر الصحفي ما جاء في صباح اليوم التالي مباشرة، حيث كان حسني مبارك في إحدى جولاته التفقدية وقال له أحد الصحفيين المرافقين : سيادة الرئيس، بالأمس قال الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في مؤتمر صحفي في صنعاء “أن حرب 73 كانت حرب هزيمة” !! فرد عليه مبارك بهدوء شديد وبلا أي انفعال: والله الأخ علي عبدالله صالح ده مش عارفين نعلمه تاريخ ولّا نعلمه جغرافيا؟!
هذه بعض من نفحات الميرغني عشتها معه وأرسلها له اليوم تحية حب وتقدير منا تؤنسه في عالمه الفسيح الذى رحل إليه في مثل هذا اليوم العام الماضي، ولتظل بصماته وقيمه وتاريخه شاهدا على رجل عاش بيننا وترك لنا الكثير.
خيرية شعلان
3/6/2021

المصدر : البوابة نيوز

07  يونيو  2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *